‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأنعام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأنعام. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 22 يونيو 2011

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (الأنعام 165، تفسير ابن كثير، مجلد 2،صفحة 56)

يقول تعالى ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ) أي جعلكم تعمرون الأرض جيلا بعد جيل، وقَرْنا بعد قرن، وخَلَفا بعد سَلَف. كقوله تعالى ( وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) (الزخرف 60)، وكقوله تعالى ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ ) (النمل  62)، وقوله ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (البقرة 30)، وقوله ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف  129).

وقوله ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) (الزخرف  32)، وقوله تعالى ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ) (الإسراء  21).

وقوله ( لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ) أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره.

وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الدنيا حُلْوَة خَضِرَة وإن الله مُسْتَخْلِفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ".

وقوله ( إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) ترهيب وترغيب، أن حسابه وعقابه سريع ممن عصاه وخالف رسله ( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خير وطلب.

وكثيرا ما يقرن تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كما قال تعالى ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ ) (الحجر 49،50)، وقوله ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الرعد 6) وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا ليَنْجَع في كُلَّ بحَسَبِه. جَعَلَنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزَجَر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم وهاب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طَمِع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنطَ من الجنة أحد، خلق الله مائة رَحْمَة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون ".
اقرأ المزيد >>

الاثنين، 6 يونيو 2011

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (الأنعام 160، تفسير ابن كثير، مجلد 2، صفحة 56)

وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في قوله ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) (النمل 89)، وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه، عز وجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربكم (عز وجل) رحيم، من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة، أو يمحوها الله، عَزَّ وجل، ولا يهلك على الله إلا هالك ".

وعن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله، عَزَّ وجل: من عَمِل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد. ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر. ومن عمل قُرَاب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة. ومن اقترب إليَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعا، ومن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَة " .

وعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا. ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ".

واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام:
1.      تارة يتركها لله عَزَّ وجل فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونِيَّة؛ ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح " فإنما تركها من جرائي " أي من أجلي.
2.      وتارة يتركها نسيانًا وذُهولا عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا.
3.      وتارة يتركها عجزا وكسلا بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنـزل منـزلة فاعلها، كما جاء في الحديث، في الصحيحين " إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" .

وقال جماعة من السلف ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) من جاء بـ" لا إله إلا الله "، ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) يقول بالشرك.
اقرأ المزيد >>

الخميس، 19 مايو 2011

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (الأنعام 159، تفسير ابن كثير، مجلد 2، صفحة 59)





قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسُّدِّي نـزلت هذه الآية في اليهود والنصارى.

وقال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ) وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فتفرقوا. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنـزل ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) الآية.

وقال ابن جرير حدثني سعد بن عَمْرو السكوني، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد كتب إليّ عباد بن كثير، حدثني لَيْث، عن طاوس، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في هذه الأمَّة ( الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) وليسوا منك، هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة، من هذه الأمة".

لكن هذا الإسناد لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وَهَم في رفعه. فإنه رواه سفيان الثوري، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس، عن أبي هريرة، في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ) قال نـزلت في هذه الأمة.

وقال أبو غالب، عن أبي أمامة، في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ) قال هم الخوارج. وروى عنه مرفوعًا، ولا يصح.

وقال شعبة، عن مُجالد، عن الشعبي، عن شُرَيْح، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ) قال "هم أصحاب البدع". وهذا رواه ابن مَرْدُوَيه، وهو غريب أيضًا ولا يصح رفعه.

والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه ( وَكَانُوا شِيَعًا ) أي فرقًا كأهل الملل والنحل - وهي الأهواء والضلالات - فالله قد بَرَّأ رسوله مما هم فيه. وهذه الآية كقوله تعالى ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) ( الشورى 13 )، وفي الحديث "نحن معاشر الأنبياء أولاد عَلات، ديننا واحد".

فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل، من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء، الرسل بُرآء منها، كما قال ( لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ).

وقوله ( إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) كقوله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) ( الحج 17 ).
اقرأ المزيد >>

الثلاثاء، 3 مايو 2011

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (الأنعام 153، تفسير ابن كثير، مجلد 2، صفحة 44)




قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله عز وجل ( فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) وقوله عز وجل ( أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) (الشورى 13) ، ونحو هذا في القرآن، قال ابن عباس أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله، ونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد.

وقال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر - هو ابن عياش - عن عاصم -هو ابن أبي النجود - عن أبي وائل، عن عبد الله -هو ابن مسعود رضي الله عنه - قال خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا بيده، ثم قال "هذا سَبِيل الله مستقيما". وخط على يمينه وشماله، ثم قال "هذه السُّبُل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه". ثم قرأ ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ).
وكذا رواه الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن أبي بكر بن عياش به. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وهكذا رواه أبو جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس عن عاصم عن أبي وائل شقيق ابن سلمة عن ابن مسعود به مرفوعا نحوه. وكذا رواه يزيد بن هارون ومُسدَّد والنسائي عن يحيى بن حبيب بن عربي -وابن حِبَّان من حديث ابن وَهْب -أربعتهم عن حماد بن زيد عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود به. وكذا رواه ابن جرير عن المثنى عن الحِمَّاني عن حماد بن زيد به. ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق عن إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد به كذلك. وقال صحيح ولم يخرجاه. وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم، من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس عن أبي بكر ابن عياش عن عاصم عن زِرٍّ عن عبد الله بن مسعود به مرفوعا. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه من حديث يحيى الحماني عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زِرٍّ به. فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عند عاصم بن أبي النجود عن زر وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما عن ابن مسعود به، والله أعلم. قال الحاكم وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر، من وجه غير معتمد.

يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد، وعبد بن حميد جميعا واللفظ لأحمد حدثنا عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة - أنبأنا أبو خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخط خطًا هكذا أمامه، فقال "هذا سبيل الله". وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال "هذه سبيل الشيطان". ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من سننه، والبزار عن أبي سعيد بن عبد الله بن سعيد عن أبي خالد الأحمر به.

قلت ورواه الحافظ ابن مَرْدُوَيه من طريقين، عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا، وخط عن يمينه خطًّا، وخط عن يساره خطا، ووضع يده على الخط الأوسط وتلا هذه الآية ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ) .

ولكن العمدة على حديث ابن مسعود، مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرًا، وقد روي موقوفا عليه.

وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر، عن أبَان؛ أن رجلا قال لابن مسعود ما الصراط المستقيم؟ قال تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جَوَادّ، وعن يساره جَوَادّ، وثمّ رجال يدعون من مر بهم. فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة. ثم قرأ ابن مسعود ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) الآية.

وقال ابن مَرْدُوَيه حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل ابن عَيَّاش، حدثنا أبان بن عياش، عن مسلم بن أبي عمران، عن عبد الله بن عمر سأل عبد الله عن الصراط المستقيم، فقال له ابن مسعود تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وذكر تمام الحديث كما تقدم، والله أعلم.

وقد روي من حديث النوّاس بن سمْعان نحوه، قال الإمام أحمد حدثنا الحسن بن سَوَّار أبو العلاء، حدثنا لَيْث - يعني ابن سعد -عن معاوية بن صالح؛ أن عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نفير حدثه، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ضرب الله مثلا صِراطًا مستقيمًا، وعن جَنْبتَي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول أيها الناس، ادخلوا الصراط المستقيم جميعا، ولا تتفرجوا وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك. لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم".

ورواه الترمذي والنسائي، عن علي بن حُجْر - زاد النسائي - وعمرو بن عثمان، كلاهما عن بَقِيَّة بن الوليد، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن جُبَير بن نفير، عن النوّاس بن سِمْعان، به . وقال الترمذي حسن غريب.

وقوله ( فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) إنما وحد سبحانه سَبيله لأن الحق واحد؛ ولهذا جمع لتفرقها وتشعبها، كما قال تعالى ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة 257) .

قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سِنَان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيكم يبايعني على هذه الآيات الثلاث؟". ثم تلا ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) حتى فرغ من ثلاث الآيات، ثم قال "ومن وَفَّى بهن أجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا أدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخَّرَه إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه".
اقرأ المزيد >>

الاثنين، 25 أبريل 2011

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (الأنعام 137،136، تفسير ابن كثير، المجلد 2، صفحة 24)





هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعًا وكفرًا وشركًا، وجعلوا لله جزءًا من خلقه، وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى عما يشركون؛ ولهذا قال تعالى ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ ) أي مما خلق وبرأ ( مِنَ الْحَرْثِ ) أي من الزروع والثمار ( وَالأنْعَامِ نَصِيبًا ) أي جزءا وقسما، ( فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا )

وقوله ( فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ ) قال علي بن أبي طلحة، والعَوْفي، عن ابن عباس؛ أنه قال في تفسير هذه الآية إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه. وإن سقط منه شيء فيما سُمّي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن. وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن. فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن. وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا هذا فقير. ولم يردوه إلى ما جعلوه لله. وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله. فسقى ما سُمّي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه لله، فقال الله عز وجل ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا ) الآية. وهكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وغير واحد.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيره كل شيء جعلوه لله من ذبْح يذبحونه، لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة. وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) أي ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولا في القسمة، فإن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره، ولا رب سواه. ثم لما قسموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جاروا فيها، كما قال تعالى ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ) (النحل  57) ، وقال تعالى ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ) (الزخرف  15) ، وقال تعالى ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) (النجم  21،22) .

يقول تعالى وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم زينوا لهم قتل أولادهم.

وقال مجاهد ( شُرَكَاؤُهُمْ ) شياطينهم، يأمرونهم أن يئدوُا أولادهم خشية العَيْلة. وقال السدي أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات. وإما ( لِيُرْدُوهُمْ ) فيهلكوهم، وإما ( لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ) أي فيخلطون عليهم دينهم. ونحو ذلك قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وهذا كقوله تعالى ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) (النحل  58 ، 59) ، وقال تعالى ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (التكوير  8 ، 9) . وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق، وهو الفقر، أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تاني المال وقد نهاهم الله عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من شرع الشيطان تزيينه لهم ذلك.

قال تعالى ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ) أي كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كونًا، وله الحكمة التامة في ذلك، فلا يسأل عما يفعل وهم يُسألون. ( فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) أي فدعهم واجتنبهم وما هم فيه، فسيحكم الله بينك وبينهم.
اقرأ المزيد >>

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (الأنعام 113،112، تفسير ابن كثير، مجلد 1، صفحة 728)




يقول تعالى وكما جعلنا لك -يا محمد - أعداءً يخالفونك، ويعادونك جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء فلا يَهِيدنَّك ذلك، كما قال تعالى ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ) (آل عمران 184)، وقال تعالى ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ) (الأنعام 34)، وقال تعالى ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) (فصلت 31). وقال تعالى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان 43).

وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي.

وقوله ( شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ ) بدل من ( عَدُوًّا ) أي لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، ومن هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم.

قال عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى ( شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ ) قال من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "تَعَوَّذ يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن". فقال أو إن من الإنس شياطين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم". وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر، رضي الله عنه.
قال ابن جرير حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال "يا أبا ذر، هل صليت؟". قال لا يا رسول الله. قال "قم فاركع ركعتين". قال ثم جئت فجلستُ إليه، فقال "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟". قال قلت لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال "نعم، هم شر من شياطين الجن"، وهذا أيضا فيه انقطاع وروي متصلا.

كما قال الإمام أحمد حدثنا وَكِيع، حدثنا المسعودي، أنبأنى أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست فقال "يا أبا ذر هل صليت؟" . قلت لا. قال "قم فصل". قال فقمت فصليت، ثم جلست فقال "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال قلت يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال "نعم". وذكر تمام الحديث بطوله.

وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به طريق أخرى عن أبي ذر قال ابن جرير حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟". قال قلت يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال "نعم".

طريق أخرى للحديث قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عَوْف الحِمْصي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا ذر تعوذتَ من شياطين الجن والإنس؟". قال يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال "نعم، شياطينَ الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا". فهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، والله أعلم.

وقد روي ابن جرير حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو نُعَيم، عن شَرِيك، عن سعيد بن مسروق، عن عِكْرِمة ( شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ ) قال ليس في الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، وشياطين الإنس يوحون إلى شياطين الجن.

قال وحدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السُّدِّي، عن عِكْرِمة في قوله ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) قال للإنسى شيطان، وللجني شيطان فيلقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.

وقال أسباط، عن السُّدِّي، عن عِكْرِمة في قوله ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) في تفسير هذه الآية، أما شياطين الإنس، فالشياطين التي تضل الإنس وشياطين الجن الذين يضلون الجن، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما لصاحبه إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضْلِل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضا.

ففهم ابن جرير من هذا؛ أن المراد بشياطين الإنس عند عِكْرِمة والسُّدِّي الشياطين من الجن الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه شياطين الإنس منهم. ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عِكْرِمة، وأما كلام السُّدِّي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل، وقد روى ابن أبي حاتم نحو هذا، عن ابن عباس من رواية الضحاك، عنه، قال إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا أضلله بكذا، أضلله بكذا. فهو قوله ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا )

وعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر إن للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الكلب الأسود شيطان" ومعناه - والله أعلم - شيطان في الكلاب.

وقال ابن جُرَيْج قال مجاهد في تفسير هذه الآية كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا.

وروى ابن أبي حاتم، عن عِكْرِمة قال قدمت على المختار فأكرمني وأنـزلني حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال فقال لي اخرج إلى الناس فحدث الناس. قال فخرجت، فجاء رجل فقال ما تقول في الوحي؟ فقلت الوحي وحيان، قال الله تعالى ( بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ) (يوسف 3)، وقال الله تعالى ( شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) قال فهموا بي أن يأخذوني، فقلت ما لكم ذاك، إني مفتيكم وضيفكم. فتركوني.

وإنما عَرَضَ عِكْرِمة بالمختار -وهو ابن أبي عبيد - قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار يزعم أنه يوحى إليه قال صدق، قال الله تعالى ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) (الأنعام 121)، وقوله تعالى ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره.

( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) أي وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نَبيّ عدوّ من هؤلاء.

( فَذَرْهُمْ ) أي فدعهم، ( وَمَا يَفْتَرُونَ ) أي يكذبون، أي دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم.

وقوله تعالى ( وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ ) أي ولتميل إليه - قاله ابن عباس - ( أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) أي قلوبهم وعقولهم وأسماعهم.

وقال السُّدِّي قلوب الكافرين، ( وَلِيَرْضَوْهُ ) أي يحبوه ويريدوه. وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى ( فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ) (الصافات 161،163)، وقال تعالى ( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) (الذاريات 8، 9 )، وقال السُّدِّي، وابن زيد وليعملوا ما هم عاملون.
اقرأ المزيد >>

الجمعة، 15 أبريل 2011

قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (الأنعام من 40 إلى 44، تفسير ابن كثير، مجلد 1، صفحة 636)

 


يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا مُعقِّب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء؛ ولهذا قال ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ) أي أتاكم هذا أو هذا (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه؛ ولهذا قال ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي في اتخاذكم آلهة معه.

( بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ) أي في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كما قال وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ الآية (الإسراء 67).

وقوله ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ ) يعني الفقر والضيق في العيش ( وَالضَّرَّاءِ ) وهي الأمراض والأسقام والآلام ( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون.

قال الله تعالى ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) أي فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا ( وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) أي ما رقت ولا خشعت ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أي من الشرك والمعاصي.

( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ) أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ( فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ) أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره؛ ولهذا قال ( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ) أي من الأموال والأولاد والأرزاق ( أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ) أي على غفلة ( فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) أي آيسون من كل خير.

قال الوالبي، عن ابن عباس المبلس الآيس.

وقال الحسن البصري من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له. ومن قَتَر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) قال الحسن مكر بالقوم ورب الكعبة؛ أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. رواه ابن أبي حاتم.

وقال قتادة بَغَت القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعيمهم فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. رواه ابن أبي حاتم أيضًا.

وقال مالك، عن الزهري ( فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ) قال إرخاء الدنيا وسترها.

وقد قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن غَيْلان، حدثنا رِشْدِين -يعني ابن سعد أبا الحجاج المهري -عن حَرْمَلَة بن عمران التُّجِيبي، عن عُقْبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا رأيت الله يُعْطِي العبدَ من الدنيا على مَعاصيه ما يُحِبُّ، فإنما هو اسْتِدْرَاج". ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ )

ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث حَرْمَلة وابن لَهِيعة، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر.

وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عِرَاك بن خالد بن يزيد، حدثني أبي، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "إن الله تبارك وتعالى إذا أراد الله بقوم بقاء -أو نماء - رزقهم القصد والعفاف، وإذا أراد الله بقوم اقتطاعًا فتح لهم - أو فتح عليهم - باب خيانة"

( حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) كما قال ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
اقرأ المزيد >>

السبت، 9 أبريل 2011

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (الأنعام 38، تفسير الطبري، مجلد 5، صفحة 77)




قال أبو جعفر يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل لهؤلاء المعرضين عنك، المكذبين بآيات الله أيها القوم، لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون، أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون! وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب، ثم إنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاءَ أعمالها. يقول فالرب الذي لم يضيِّع حفظَ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض، والطير في الهواء، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها، وأثبت ذلك منها في أم الكتاب، وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء، أحرى أن لا يُضيع أعمالكم، ولا يُفَرِّط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها، أيها الناس، حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إذ كان قد خصكم من نعمه، وبسط عليكم من فضله، ما لم يعمَّ به غيركم في الدنيا، وكنتم بشكره أحقَّ، وبمعرفة واجبه عليكم أولى، لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميِّزون، والفهم الذي لم يعطه البهائم والطيرَ، الذي به بين مصالحكم ومضارِّكم تفرِّقون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال ،حدثنا أبو عاصم، قال ،حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ( أمم أمثالكم ) ، أصناف مصنفة تُعرَف بأسمائها، حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم )، يقول الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة. حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله "( إلا أمم أمثالكم )، يقول إلا خلق أمثالكم. حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن ابن جريج في قوله ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم )، قال الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب.

وأما قوله ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ، فإن معناه ما ضيعنا إثبات شيء منه، كالذي:
حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ( ما فرطنا في الكتاب من شيء )، ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب. حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله  ( ما فرطنا في الكتاب من شيء )، قال  لم نُغفِل الكتاب، ما من شيء إلا وهو في الكتاب. وحدثني به يونس مرة أخرى، قال في قوله ( ما فرطنا في الكتاب من شيء )، قال كلهم مكتوبٌ في أم الكتاب.

وأما قوله ( ثم إلى ربهم يحشرون ) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى ( حشرهم )، الذي عناه الله تعالى ذكره في هذا الموضع. فقال بعضهم " حشرها "، موتها.

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سعيد، عن مسروق، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم )، قال ابن عباس موت البهائم حشرها. حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( ثم إلى ربهم يحشرون ) ، قال يعني بالحشر، الموت. حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله  ( ثم إلى ربهم يحشرون ) ، يعني بالحشر الموت. وقال آخرون " الحشر " في هذا الموضع، يعني به الجمعُ لبعث الساعة وقيام القيامة.

ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة في قوله ( إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون )، قال يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء، ثم يقول " كوني ترابًا "، فلذلك يقول الكافر ( يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ) (سورة النبأ 40) .
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر قال بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنـزان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتدرون فيما انتطحتا؟ قالوا لا ندري! قال  لكن الله يدري، وسيقضي بينهما".

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن سليم قال، حدثنا فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذر قال انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي يا أبا ذَرّ، أتدري فيم انتطحتا "؟ قلت لا! قال لكن الله يدري وسيقضي بينهما! قال أبو ذر لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلِّب طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا.

قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ كل دابة وطائر محشورٌ إليه. وجائز أن يكون معنيًّا بذلك حشر القيامة، وجائز أن يكون معنيًّا به حشر الموت، وجائز أن يكون معنيًّا به الحشران جميعًا ، ولا دلالة في ظاهر التنـزيل، ولا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ ذلك المراد بقوله ( ثم إلى ربهم يحشرون ) ، إذ كان " الحشر "، في كلام العرب الجمع، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره ( وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ) [سورة ص 19] ، يعني مجموعة. فإذ كان الجمع هو " الحشر "، وكان الله تعالى ذكره جامعًا خلقه إليه يوم القيامة، وجامعهم بالموت، كان أصوبُ القول في ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها، وأن يقال كل دابة وكل طائر محشورٌ إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة، إذ كان الله تعالى ذكره قد عم بقوله ( ثم إلى ربهم يحشرون )، ولم يخصص به حشرًا دون حشر.

فإن قال قائل فما وجهُ قوله ( ولا طائر يطير بجناحيه ) ؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟

قيل  قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنـزل هذا الكتاب بلسان قوم، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم. فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا " كلمت فلانًا بفمي"، و " مشيت إليه برجلي"، و " ضربته بيدي"، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم، ويستعملونه في خطابهم.
اقرأ المزيد >>

الأربعاء، 16 مارس 2011

قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (الأنعام 65،64، تفسير البغوي، مجلد 1، صفحة 302)

 

( قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا ) قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر ( ينجيكم) بالتشديد, مثل قوله تعالى: (قل من ينجيكم) وقرأ الآخرون هذا بالتخفيف, ( وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ) والكرب غاية الغم الذي يأخذ بالنفس, ( ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ) يريد أنهم يقرون أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي ينجيهم ثم تشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع.

قوله عز وجل: ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال الحسن وقتادة: نـزلت الآية في أهل الإيمان, وقال قوم نـزلت في المشركين.

قوله ( عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) يعني: الصيحة والحجارة والريح والطوفان, كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح, ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) يعني: الرجفة والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون.

وعن ابن عباس ومجاهد: ( عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) السلاطين الظلمة, و(من تحت أرجلكم) العبيد السوء, وقال الضحاك: ( مِنْ فَوْقِكُمْ ) من قبل كباركم ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) أي من أسفل منكم, ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ) أي: يخلطكم فرقا ويبث فيكم الأهواء المختلفة, ( وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) يعني: السيوف المختلفة, يقتل بعضكم بعضا.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أن أحمد بن عبد الله النعيمي أن محمد بن يوسف أن محمد بن إسماعيل أن أبو النعمان أن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر قال: لما نـزلت هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعوذ بوجهك", قال: ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قال: "أعوذ بوجهك", قال: ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أهون أو هذا أيسر" .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أن أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أن أبو جعفر محمد بن علي دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أن يعلى بن عبيد الطنافسي أن عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه, قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه فناجى ربه طويلا ثم قال: "سألت ربي ثلاثا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها, وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها, وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم, فمنعنيها"

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أن السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أن أبو بكر محمد بن أحمد بن دلويه الدقاق ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن عبد الله بن عمر جاءهم ثم قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد فسأل الله ثلاثا فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة, سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك, وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض, فمنعه ذلك".
اقرأ المزيد >>