‏إظهار الرسائل ذات التسميات سبأ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سبأ. إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 يوليو 2011

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (سبأ 34-39، تفسير ابن كثير، مجلد 6، صفحة 148)

يقول تعالى مسليا لنبيه صلى اله عليه وسلم، وآمرا له بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها، واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح ( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ ) ( الشعراء 111 )، ( وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ) ( هود 27 )، وقال تعالى ( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) ( الأنعام 53)، وقال ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ) ( الأنعام 123 )، وقال عز وجل هاهنا ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ ) أي نبي أو رسول ( إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا )، وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة. قال قتادة هم جَبَابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر ( إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) أي لا نؤمن به ولا نتبعه.

وقوله تعالى إخبارا عن المترفين المكذبين ( وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا، ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك. قال الله تعالى ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) ( المؤمنون 55، 56 )، وقال ( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ( التوبة 55 ).

وقد أخبر الله عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وولد وثمر، ثم لم تُغن عنه شيئا، بل سُلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة؛ ولهذا قال تعالى هاهنا ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) أي يعطي المال لمن يحب ومَنْ لا يحب، فيفقر مَنْ يشاء ويغني مَنْ يشاء، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة الدامغة القاطعة ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ).

ثم قال ( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ) أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم. عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

ولهذا قال ( إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح، ( فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا ) أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف ( وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ) أي في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يُحْذَر منه.

( وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ) أي يسعون في الصد عن سبيل الله، واتباع الرسل والتصديق بآياته، ( أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ) أي جميعهم مَجْزيون بأعمالهم فيها بحسبهم.

وقوله ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) أي بحسب مَا لَه في ذلك من الحكمة، يبسط على هذا من المال كثيرا، ويضيق على هذا ويقتر على هذا رزقه جدًا، وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ) ( الإسراء 21 ) أي كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير مدقع، وهذا غني مُوَسَّع عليه، فكذلك هم في الآخرة هذا في الغُرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغَمرَات في أسفل الدركات. وأطيب الناس في الدنيا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد أفلح مَنْ أسلم ورُزق كَفَافا، وقَنَّعه الله بما آتاه".

وقوله ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث يقول الله تعالى "أنْفق أنْفق عليك" . وفي الحديث أن ملكين يَصيحان كل يوم، يقول أحدهما "اللهم أعط مُمْسِكا تَلَفًا"، ويقول الآخر "اللهم أعط منفقا خَلَفًا".
اقرأ المزيد >>

الأحد، 26 يونيو 2011

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (سبأ 14،13،12، تفسير ابن كثير، مجلد 6، صفحة 135)

لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان ، من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر.


وقوله ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ) قال عدد من العلماء القطر النحاس.

وقوله ( وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) أي وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي بقدره ، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك. ( وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ) أي ومَنْ يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ( نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ) وهو الحريق.

وقوله ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ )  أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره.وأما التماثيل فقال غير واحد التماثيل الصور. قيل كانت من نحاس. وقيل من طين وزجاج.

وقوله ( وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ) الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، وقيل ( كَالْجَوَابِ ) أي كالجوبة من الأرض. والقدور الراسيات أي الثابتات، في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها.

وقوله ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ) أي وقلنا لهم اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين. وشكرًا مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال الشاعر:

أفَــادَتْكُمُ النّعْمَـاء منِّـــي ثَــلاثةً             يـدِي, ولَسَـاني, وَالضَّمـير المُحَجَّبَـا

قال أبو عبد الرحمن الحُبلي  الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر. وأفضل الشكر الحمد. وعن محمد بن كعب القُرَظي قال الشكر تقوى الله والعمل الصالح. وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود، عليه السلام، كذلك قائمين بشكر الله قولا وعملا.

وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن أحب الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما. ولا يَفر إذا لاقى".

وقوله ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) إخبار عن الواقع.


ثم يذكر تعالى كيفية موت سليمان، عليه السلام، وكيف عَمَّى الله موته على الجانّ المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه - وهي مِنْسَأته - كما قال ابن عباس رضي الله عنه وغير واحد - مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابةُ الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة، تبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك.


اقرأ المزيد >>

الجمعة، 24 يونيو 2011

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (سبأ 11،10، تفسير ابن كثير، مجلد 6، صفحة 135)





يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته ، ثم قال " لقد أوتي هذا مِزْمَارًا من مزامير آل داود". وقال أبو عثمان النهدي ما سمعت صوت صَنج ولا بَرْبَط ولا وَتَر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه.

ومعنى قوله ( أَوِّبِي ) أي سبحي.والصواب أن المعني في قوله تعالى ( أَوِّبِي مَعَهُ ) أي رجعي معه مسبحة، والله أعلم.

وقوله ( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ )  قال غير واحد، كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال تعالى ( أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ ) وهي الدروع. قال قتادة وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح.

( وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ )  هذا إرشاد من الله لنبيه داود، عليه السلام، في تعليمه صنعة الدروع. قال مجاهد في قوله ( وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ )  لا تُدِقّ المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها، واجعله بقدر.

وقوله ( وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) أي في الذي أعطاكم الله من النعم، ( إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أي مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.
اقرأ المزيد >>

الأربعاء، 8 يونيو 2011

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (سَبأ 2،1، تفسير ابن كثير، مجلد 6، صفحة 125)





يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمدَ المطلق في الدنيا والآخرة؛ لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال ( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (القصص 70)؛ ولهذا قال هاهنا ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ) أي الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه، كما قال ( وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ) (الليل: 13). ثم قال ( وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ )، فهو المعبود أبدا، المحمود على طول المدى.

وقوله تعالى ( وَهُوَ الْحَكِيمُ ) أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقَدَره، ( الْخَبِيرُ ) الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء. وقال مالك عن الزهري خبير بخلقه، حكيم بأمره؛ ولهذا قال ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك، عدده وكيفيته وصفاته، ( وَمَا يَنـزلُ مِنَ السَّمَاءِ ) أي من قطر ورزق، ( وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ) أي من الأعمال الصالحة وغير ذلك، ( وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) أي الرحيم بعباده فلا يعاجل عُصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب عباده التائبين إليه المتوكلين عليه.
اقرأ المزيد >>

الاثنين، 14 مارس 2011

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ* قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم* قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. (سبأ 24،25،26،27، تفسير ابن كثير، مجلد 6، صفحة 144)


يقول تعالى مقررًا تفرُّدَه بالخلق والرزق، وانفراده بالإلهية أيضا، فكما كانوا يعترفون بأنه لا يرزقهم من السماء والأرض -أي: بما ينـزل من المطر وينبت من الزرع-إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره.

وقوله: ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) : هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله؛ ولهذا قال: ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ). قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين: والله ما نحن وإياكم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد. وقال عِكْرِمة وزياد بن أبي مريم: معناه: إنا نحن لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.

وقوله: ( قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) : معناه التبري منهم، أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم بُرآء منا، كما قال تعالى: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) (يونس: 41) وقال: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (سورة الكافرون).

وقوله: ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ) أي: يوم القيامة، يجمع بين الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق، أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) (الروم 14،15،16) ؛ ولهذا قال تعالى: ( وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ) أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.

وقوله: ( قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ) أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادا وصيَّرتموها له عدْلا. ( كَلا ) أي: ليس له نظير ولا نَديد، ولا شريك ولا عديل، ولهذا قال: ( بَلْ هُوَ اللَّهُ ) :أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أي: ذو العزة التي قد قهر بها كل شيء، وَغَلَبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس.
اقرأ المزيد >>