‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشورى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الشورى. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 20 أكتوبر 2011

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (الشورى 16-18، تفسير ابن كثير، مجلد 6، صفحة 497)


يقول تعالى متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ) أي يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى، ( حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي باطلة عند الله، ( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) أي منه، ( وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) أي يوم القيامة.

قال بعض العلماء جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله، ليصدوهم عن الهدى، وطمعوا أن تعود الجاهلية. وقال قتادة هم اليهود والنصارى، قالوا لهم: ديننا خير من دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم، وأولى بالله منكم. وقد كذبوا في ذلك.

ثم قال: ( اللَّهُ الَّذِي أَنـزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) يعني الكتب المنـزلة من عنده على أنبيائه ( والميزان )، وهو العدل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة. وهذه كقوله تعالى ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (الحديد 25) وقوله ( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) (الرحمن 7-9).

وقوله ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) فيه ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا. وقوله ( يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا ) أي يقولون ( مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (سبأ 29)، وإنما يقولون ذلك تكذيبا واستبعادا، وكفرا وعنادا، ( وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا ) أي خائفون وجلون من وقوعها ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ) أي كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها.

وفي الصحيح أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جَهْوَرِيّ، وهو في بعض أسفاره فناداه فقال: يا محمد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته "هاؤم"، فقال: متى الساعة؟، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك، إنها كائنة، فما أعددت لها؟"، فقال: حُب الله ورسوله، فقال: "أنت مع من أحببت".

فقوله في الحديث: "المرء مع من أحب"، هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها.

وقوله ( أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ ) أي يحاجّون في وجودها ويدفعون وقوعها، ( لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) أي في جهل بين؛ لأن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (الروم 27).
اقرأ المزيد >>

السبت، 30 يوليو 2011

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد (الشورى 25-28، تفسير السعدي، مجلد 1، صفحة 678)


هذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده وتمام لطفه، بقبول التوبة الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا يعاودوها، إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها بعد ما انعقدت سببا للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية.

( وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من العقوبات، ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه ويوفقه لما يقر به إليه.

ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد تكون فاسدة إذا كان القصد منها بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله ( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) فالله تعالى، دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه والتوبة من التقصير، فانقسموا -بحسب الاستجابة له- إلى قسمين:
مستجيبين وصفهم بقوله ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )، أي يستجيبون لربهم لما دعاهم إليه وينقادون له ويلبون دعوته، لأن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح يحملهم على ذلك، فإذا استجابوا له، شكر الله لهم، وهو الغفور الشكور. وزادهم من فضله توفيقا ونشاطا على العمل، وزادهم مضاعفة في الأجر زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز العظيم.

وأما غير المستجيبين للّه وهم المعاندون الذين كفروا به وبرسله، فـ ( لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) في الدنيا والآخرة.
ثم ذكر أن من لطفه بعباده، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة، تضر بأديانهم فقال ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ  )، أي: لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلما.

( وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ) بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته ( إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول "إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير .

( وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ ) أي: المطر الغزير الذي به يغيث البلاد والعباد، ( مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ) وانقطع عنهم مدة ظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالا فينزل الله الغيث ( وَيَنْشُرُ ) به ( رَحْمَتَهُ ) من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعا عظيما، ويستبشرون بذلك ويفرحون. ( وَهُوَ الْوَلِيُّ ) الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم. ( الْحَمِيدُ ) في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الإفضال.
اقرأ المزيد >>